روافع المقاومة والصمود عديدة… الإنتاج الذاتي للغذاء إحداها

نشر بتاريخ: 12/06/2021 ( آخر تحديث: 12/06/2021 الساعة: 10:34 )

الكاتب: سعد داغر

لم تدرك ما يجب فعله، لكنها تريد فعل شيءٍ ما، ولا يمكن للتفكير أن يطول، فالعمل الآن الآن، لأنه سيصبح متأخراً بعد دقيقة أو أقل. كانت بيدها كتلةٌ سوداء طرية التقطتها من حديقتها، لتُحَضِّر طعاماً لزوجها ورفاقه في الجبهة على أرض المعركة هناك. كانت تقف في حديقتها المطلة على الطريق التي تسير عليها آليات العدو الأميركي العسكرية، المتجهة نحو الجبهة لمواجهة ثوار الڤيتكونغ الڤيتناميين.

وبكل ما أوتيت من عزيمة ألقت بتلك الكتلة السوداء الطرية نحو السيارة الأولى في القافلة الأميركية، فحسبها السائق قنبلة يدوية، ما أدى لانحرافه بالسيارة من صدمة المفاجآة، فانقلبت المركبة وهوت في الوادي وهلك من فيها. كان ذاك كله بفعل باذنجانة في يد فلاحة فيتنامية، تفلح الأرض الصغيرة حول بيتها، لتمد الثوار بالغذاء.

أثناء حرب التحرير الڤيتنامية، كانت المرأة تنتج الغذاء من مساحات صغيرة وحدائق منزلية، وتمد الثوار بما يحتاجونه من غذاء قليل يسد جوعهم، ليواصلوا حرب التحرير ودحر المحتل.

انتصار الڤيتناميين ارتكز إلى دعائم، ومنها الاعتماد على الذات في إنتاج الغذاء، "الغذاء الوطني"؛ فلم تكن هناك حاجة لحملات مقاطعة منتجات العدو وأغذيته، لأنها لم تكن أصلاً موجودة، إذ أن العدو يريد تجويع الڤيتناميين وتركيعهم. من يريد الحرية يبدع في خلق المعجزات للصمود والتقدم وتحقيق الانتصار. النساء كنّ جاهزات لمد الثوار بما تجود به حقولهن من غذاء لتعزيز مقومات الانتصار في المعركة وتحقيق التحرر.

ولعل من أجمل إبداعات شعبنا الفلسطيني مع بدء الهّبة الشعبية التي تحولت إلى انتفاضة عارمة عام 1987، اجتراحه سياسة الاقتصاد المنزلي، التي مكنّت الشعب من الصمود، ومكنت القرى المحاصرة من الاستمرار في العلمية النضالية، لإدراك قادة الانتفاضة الأولى بالدور المحوري الذي يلعبه الاقتصاد المنزلي والزراعة في تعزيز الانتفاضة والصمود والاستمرار بها. فكانت الاستجابة الشعبية الواعية لتلك السياسة عماد الاقتصاد المنزلي كان الإنتاج الذاتي للغذاء من خضار وفاكهة وبيض ولحوم؛ فبرزت في هذا الاتجاه تجربة بيت ساحور الرائعة.

المؤامرة الكبرى

أثناء دورة تدريبية في الأردن عام 2003 حول الزراعة البيئية/العضوية، وخلال شرحي للأبعاد الاقتصادية، البيئية، الصحية والسياسية لهذا النمط الزراعي، ذكرت ما يلي: "سوريا ستتعرض في يومٍ ما لمؤامرة كبرى، ليس بسبب مواقفها السياسية أو دعمها للمقاومة في لبنان، ولا بسبب معسكرات تدريب الفصائل الفلسطينية فيها، بل لأن سوريا وصلت إلى مرحلة الاعتماد التام على الذات في إنتاج الغذاء، ولأن هذا النموذج في إنتاج الغذاء والاعتماد على الذات يجب ألا يستمر في هذه المنطقة من العالم، بل المطلوب الإبقاء على النماذج الاستهلاكية للغذاء وللمنتجات الأخرى، كما هو الحال في النماذج الخليجية". ربما يذكر من حضر تلك الدورة حديثي آنذاك، ومنهم نائب نقيب المهندسين الزراعيين السوريين في ذلك الوقت.

فليست القضية هنا من يتفق مع النظام في سوريا أو يختلف معه، بل إنها مسألة سياسة الاعتماد على الذات في إنتاج الغذاء. وفي الأعوام 2007-2008، أثناء الأزمة الاقتصادية العالمية وأزمة الغذاء العالمي، قدمت سوريا الدعم الغذائي لبعض الدول العربية؛ فزودتها بالقمح المجاني من مخزون الدولة السورية. وآنذاك قلت: الآن سقطت ورقة سوريا، وستبدأ المؤامرة قريباً، فمسألة الغذاء سلاح استراتيجي في سياسة القوى الاستعمارية. وبالطبع، هذا ليس السبب الرئيسي لما حصل في سوريا، فالتحليلات حول أسباب اندلاع الأزمة تختلف كثيراً، غير أن مسألة الاكتفاء الذاتي والاعتماد على الذات في إنتاج الغذاء من القضايا التي يضعها المفكرون والمخططون، كما المتآمرون على شعوب الأرض، على طاولة البحث.

وفي بداية الحرب في سوريا، لم يكن الهجوم الذي شُن برفقة خبراء أميركيين، على "مركز إيكاردا" قرب حلب (أهم مركز بحثي في الزراعات الجافة) لسرقة البذور الأصلية وتدمير الباقي، سوى أحد تجليات هذا الاهتمام بقضايا الاعتماد على الذات في إنتاج الغذاء، وسعي قوى الاستعمار لتعزيز أشكال الهيمنة، وبخاصة الهيمنة على الغذاء. ورغم الحرب، استطاع السوريون حماية مائة وستة عشر ألف صنف من بذور النباتات، وبذلك تجنبت سوريا فقدان مخزونها من البذور الأصيلة.

وهذا تحديدًا ما لم يتمكن العراق من فعله عشية الاحتلال الأميركي للعراق، حين عمل الحاكم الأميركي المجرم بول بريمر على إتلاف كل المخزون الوطني من البذور العراقية، وبخاصة الحبوب، لجعل العراق تابعاً للشركات الأميركية التي تبيعه بذورا معدلة وراثياً لا يمكن إعادة إنتاجها؛ وبذلك تمت السيطرة على إنتاج الغذاء. فمن يتحكم في البذور التي تزرعها، يتحكم بغذائك. لذا، أصدر المحتل الأميركي قوانين خاصة لتعزيز تلك السياسة في العراق.

الغذاء سلاح استراتيجي بيد الاحتلال

اليوم ونحن نعيش مرحلة تحول استراتيجي بعد معركة "سيف القدس" التي خلقت واقعاً جديداً بكل المقاييس، ينبغي أن نطرق باب المخزون الاستراتيجي من الغذاء، ومصادر هذا الغذاء، وهل يمكن أن يكون الغذاء سلاحاً بيد العدو، في لحظات الصراع الحاسمة؟ وكيف يمكننا أن نكون أحراراً في إنتاج الغذاء، لننتج الغذاء الحر، بعيداً عن قيود الشركات الاحتكارية، العاملة لمصلحة القوى الاستعمارية؟

معركة "سيف القدس"، كما أزمة كورونا، أظهرت صحة الدعوة إلى الاعتماد على الذات في إنتاج الغذاء، من خلال الزراعة وتربية الحيوانات وإنتاج البيض واللحوم؛ فما من شبرٍ تطاله أشعة الشمس إلا ويمكن زراعته وإنتاج الغذاء منه، لنصبح أحراراً في غذاءنا. إنتاج محوره الاعتماد على بذور بلدية أصيلة، ومدخلات إنتاج أخرى محلية المصدر، غذاء يرفد مسيرة التحرر من الاحتلال الإسرائيلي؛ فإنتاج الغذاء الحر، لتكتمل لوحة الاعتماد على الذات، يتحقق من خلال فلاحة تعتمد على مصادر محلية، ما يتطلب فهما أعمق لأبعاد الزراعة البيئية التي ما فتئتُ أطلق عليها منذ أكثر من عقد ونصف بأنها زراعة الحرية والتحرر- الحرية لأنها واحدة من أعمدة الوصول إلى الحرية، فلا حرية دون الانتاج الذاتي للغذاء.

خلاصة القول، من يمسك بلقمة عيشك، يسيطر عليك ويسلبك الحرية، وفقط حين يكون غذاؤك حراً، يمكنك أن تحقق الاستقلال الحقيقي ببعده "التحرري" من تبعات قوى الهيمنة والاستعمار بأذرعها المتمثلة بالشركات العابرة للقارات، المسيطرة على البذور والأسمدة والسموم الزراعية الكيميائية والتكنولوجيا "الذكية".

وإن كان من وظيفة أولى لأية حكومة فلسطينية، فلتكن مسألة الزراعة في المقدمة؛ إذ لا يكفي التغني بالزراعة والمزارعين والفلاحين بأنهم خط الدفاع الأول عن أرضنا وترابنا ووجودنا، بل يجب ترجمة ذلك على الأرض، من خلال الموازنات السنوية التي تقرها الحكومات ومن خلال العمل الإرشادي والتدريبي على الأرض وتنفيذ المشاريع المستدامة. والمفارقة الكبيرة أننا نتغنى بالزراعة كخط دفاع أول عن أرضنا، بدءاً من قيادة الصف الأول وانتهاءً بأصغر متحدث في السياسة، بينما حصتها في الموازنة الحكومية هامشية، فيما الأجهزة الأمنية تحوز على حصة الأسد في الموازنات، علما أن تلك الأجهزة لا تدافع فيه عن شبر أرض أو فرد فلسطيني، ولا تمنع مستعمرا صهيونيا واحدا من السيطرة على أراضينا!

نمطان زراعيان لا ثالث لهما

للحديث عن النمط الزراعي الذي نريد، يجب الإقرار بوجود نمطين لا ثالث لهما. الأول زراعة تكرس الاعتماد على الخارج في مقوماتها، وتثبت التبعية للمستعمِر، من خلال مدخلات الإنتاج الآتية منه مباشرة أو من خلاله، كالبذور المعدلة جينياً والمبيدات والأسمدة الكيميائية السامة والتكنولوجيا التي باتت تسمى "ذكية"(بينما هي في الواقع تكنولوجيا تمحو ذكاء الفلاح الفطري الذي توارثه عبر الأجيال)، وهي زراعة تعاني من أزمات موسمية متعددة، تبدأ بالظروف المناخية وحالات الطقس وتقلباته، وتعاني بشكل مزمن من أزمات في التسويق، تبقينا في حالة دوران في حلقة مفرغة، دون أن نجد الحلول الحقيقية لتلك الأزمات.

كما أن هذا النمط الزراعي يقدم لنا منتجات مفرغة من معظم القيمة الغذائية من جانب، ويطعمنا منتجات تبني في أجسادنا أسس المرض، بدل أن تكون عماداً للصحة، من جانب آخر.

أما النمط الزراعي الثاني فهو المعتمد على الذات وعلى مدخلات إنتاج محلية وبأسس طبيعة بيئية تسهم في إنتاج الغذاء الحقيقي، ذي القيمة الغذائية العالية، ما يعني وضع أسس بناء مجتمع صحي. هذه المفارقة بين نمطي الزراعة وإنتاج الغذاء، ينبغي أن تقود التوجهات التي تحتكم إليها الجهات الفاعلة في القطاع الزراعي، بدءاً بالفلاح عماد العملية الفلاحية، مروراً بمراكز البحث والجامعات ووصولاً إلى المظلة الراعية للقطاع الزراعي المتمثلة بوزارة الزراعة. وهي ذات التوجهات التي ينبغي أن تقود المؤسسات الزراعية التنموية كعقيدة عمل. إذ لا يمكننا تفسير عدم الإصرار على تبني منهج الزراعة المعتمدة على الذات، من قبل المؤسسات المنادية بنشر مباديء الاستدامة في الزراعة وفي العمل التنموي في كل نشاطاتها ومشاريعها وبرامجها؛ بل نجد أحياناً كثيرة، انحرافاً مدوياً عن تلك القيم والمباديء تجاه ممارسات غير مستدامة ومهادنة لأجندات تمويلية، أو انحراف يقوده أناس من السهل أن يضلوا طريق التنمية الزراعية المستدامة، فيتم تغليف نشاطات ومشاريع بغلاف التجديد والابتكار والاستدامة، وهي في جوهرها مناقضة لتلك المباديء، وتكرس منهج الاعتماد على الخارج، وتزيد من تكبيل الفلاحين وإلحاقهم بأجندات خفية، بقصد أو دون قصد،؛ إلا أن النتيجة النهائية واحدة: تكريس التبعية بأشكال خفية.

وفي ذات السياق أيضاً، فإن دعوات مقاطعة البضائع الإسرائيلية لا بد أن يرافقها عمل وجهد أكبر بكثير، بهدف توفير مقومات الإنتاج الذاتي للغذاء ودفع الشباب نحو العمل الفلاحي بكل مكوناته. فكما لا تطور صناعي دون قاعدة زراعية، فإنه لا تحرر حقيقي دون قاعدة إنتاج للغذاء الحر الذي يأتي من زراعة حرة غير مقيدة بسلاسل شركات البذور والمبيدات والأسمدة الكيميائية. وكي نحقق ذلك، لا بد أن نحدد الفجوات في إنتاج الغذاء، وبالتالي توجيه الطاقات لإنتاج ما ينقص السوق المحلي، بعيداً عن حرف الوعي نحو مشاريع زراعية غير مستدامة، أو موجات الموضة كما هو حاصل في الزراعة المائية-الهيدروبونيك-، التي تنتج سلعًا مفرغة من القيمة الغذائية، وتحتاج لاستثمارات كبيرة، وتعتمد مدخلات إنتاج خارجية وطاقة كهربائية وظروف صناعية غير طبيعية، وتنتج غذاء غير طبيعي.

"سيطر على الغذاء … تسيطر على الشعوب"

وبالعودة للحديث عن المساحات الزراعية الصغيرة، فكما ذكرت في مقال سابق، تشكل هذه المساحات فرصة لإنتاج غذاء أسري صحي، وكميات كبيرة متنوعة من المحاصيل. هذه المساحات تنتظر من الجهات الزراعية الفاعلة مساعدة أصحابها، لتمكينهم من إنتاج الغذاء بشكل مستمر. ولا يكفي مشروع توزيع أشتال وبذور هنا، وتوزيع شبكة ري هناك، لتمكين الناس من الإنتاج، بل يحتاج الناس إلى المعرفة الصحيحة الجيدة التي تمكنهم من الاستمرار في الإنتاج بشغف، بعد أن يتعرفوا على المعنى الحقيقي للغذاء وكيفية إنتاجه بطرق طبيعية مستدامة، وبالتالي جعل العمل الزراعي الفلاحي متعة، بدل أن يكون عملا شاقا، يتطلب الكثير من الجهد والأرق والقلق على المحصول.

المساحات الصغيرة تثبت مرة تلو الأخرى، بأنها عماد الإنتاج الزراعي في كل الظروف؛ إذ من خلالها ننتج احتياجات الأسر، علمًا أنها لا تتطلب تفرغاً كاملاً، وتحتاج إلى عمل أسري، يسهل من خلاله التأسيس لزراعة بيئية طبيعية، يكون فيها للمرأة دور محوري، علاوة على صفات وأدوار كثيرة أخرى.

وفي الظروف غير الطبيعية كظروف العدوان الإسرائيلي المتواصل، أو في ظروف مستجدة كجائحة كوڤيد-19، يبرز دور هذه المساحات الصغيرة في حياة الأسرة وحياة شعبنا، ما يستدعي توجيه الجهد لتنميتها دوماً وفي كل الظروف، وليس فقط أثناء هبات آنية، سرعان ما ينتهي الاهتمام بتلك المساحات مع انتهاء الهبة.

ختاماً نقول: "سيطر على الغذاء … تسيطر على الشعوب". قد تكون هذه المقولة الشهيرة، المُوجِهْ الباطني العميق لكل قيادة وطنية شريفة في أي بلد كان على وجه الأرض، قيادة تحرص على تحرر شعبها بشكل كامل، قيادة تعرف معنى الكرامة الوطنية، فتهب عملها ووظيفتها لبناء صروح العزة والكرامة. وفي المقابل نقول: "أَنتِجْ الغذاء الحر من فِلاحةٍ حرة …. تنجز التحرير بكل تجلياته ومعانيه".