عندما نفشل: كيف نتذكر!

نشر بتاريخ: 12/06/2021 ( آخر تحديث: 12/06/2021 الساعة: 11:25 )

الكاتب: د. محمد نعيم فرحات

سيل من البرامج والمتابعات الإعلامية يجري في الخامس من حزيران في كل عام عن نكسة جوان 1967 يستضيف حشدا من خبراء الخيبة والفشل والإحباط ، بعضها غافل، وبعضها جاهل، وبعضها لئيم، واغلبها يضل الطريق في قراءة الحدث. أما الوعي الناهض فهو في مكان أخر، لقد تجاوز إحياء الذكرى بذاتها، طالما كان قد إتجه منذ زمن لإستخراج العبرة منها والصعود بها إلى حقل الفاعلية والتاريخ.

ما فعله الرحل الكبير/ جمال عبد الناصر الذي ارتبط اسمه بالنكسة والذي كان المعني الأول بمسح أثارها في الوعي وفي الواقع كان فعلا فوريا في هذا الإتجاه: من خطاب التنحي، الى تعين الفريق محمد فوزي وقيادات مؤهلة على رأس القوات المسلحة، الى حرب الاستنزاف، الى دعم حركة المقاومة الفلسطينية، الى استخلاص العبر والدروس الملائمة، وصولا الى التاسيس لحرب اكتوبر، التي جرت بفعل اعداده ومن كان معه، بعد ثلاث سنوات على رحيله، وارخت- رغم ما احاط بها من التباسات في الجبهة المصرية تحديدا -لزمن اخر في مجريات الصراع في المنطقة.

إن ما ينبغي تأمله في حرب جوان 1967 التي كانت هزيمة في الوعي قبل أن تكون هزيمة في الميدان، ليس فقط تمكن اسرائيل من احتلال باقي فلسطين وسيناء والجولان. بل يجب الوقوف عندها بما هي اخر نصر واضح تحققه اسرائيل. غير أنه كان نصر مكلفا جدا في مسارها وفيما ترتب عنه من تداعيات شتى.

خصوصا الزلزلة التي أحدثها في وعي تيار اساسي من العرب، بعد سقط كثيرين ضحايا له ولطريقة فهمهم للحدث. غير أن النويات الحية في الأمة قد حولته الى لحظة تحول في اتجاه مقاوم، ها هو يصعد ويجري توارثه من حقبة لأخرى.

نكسة 1967 ليست مناسبة للندب او اللطم النفسي والغمز الرديء.هي حدث يجب تحويله الى عبرة تشتغل هناك في تخوم الروح المقاوم، وتحويل الطاقة السلبية التي تمخضت عنها الى طاقة نهوض.

***

بناء الصور والتمثلات عند الناس عن أنفسهم وعن الآخرين وعن الحياة وعن أحداثها ، هي لعبة الوجود الأهم التي يكون لها دورا حاسما في تشكيل وعيهم ومواقفهم. طريقة البناء الذهني عند اغلب العرب المعاصرين للصور وبالتالي مواقفهم من الاشخاص والأشياء والاحداث ومن أنفسهم ومن كل شيء، تنم عن وجود ما يمكن تسميته: بفقر النظرة والرؤية من جهة. وبنرجسية غير مجدية عموما من جهة ثانية. وبنوع خاص من "التكفير الذهني" من ناحية ثالثة، أو كل هذا وغيره معا، حيث حقيقة الاشياء تكون في واد والصورة المبنية عنها في واد اخر،والعبرة التي يجب إستخلاصها في وضعية تيه.

في مثل هذا الوضع من الطبيعي والمنطقي ان نكون ضحايا الصور التي نبنيها والفهم الذي نتبناه وان تكون الحقيقة على نسبياتها ضحية لطريقتنا في البناء، وهنا يربح فقر البصيرة والنرجسية غير المجدية والتكفير الذهني ونخسر نحن.ومن باب الحيطة والتاكيد يتعين التذكير بأن التكفير الذهني والثقافي المتغلغل بقوة في ثنايانا العميقة، هو الذي انتج كل اصناف التكفير الاخرى التي تحاصر الحياة كفرصة وتهددهاعلى نحو شامل.

***

طريقة تعامل الذهن العربي عموما مع الذكرى أيا كانت، فيها الكثير من الشوائب والعيوب في أرق الأوصاف، وفيها استعادة للحظات الذكرى والعودة لازمنتها للإقامة هناك في حيزها، وكأن المسافة التاريخية مع الذكرى وما ترتب عنها لم تحصل.

ربما يكون مفيدا لو قامت قوة جبارة بكف يد العرب أو اغلبهم ومنعتهم عن إحياء الذكرى، أي ذكرى، حتى تتغير طريقة تعاطيهم وثقافتهم بخصوص الذكرى ومفهومها ومعناها ودورها واعادة استدخالها في ازمنتهم الراهنة. حتى الذكرى مهما كانت لم تنجو من سوء صنيعنا معها ومع أنفسنا ومع الزمن.