وسعتهم الزنازين ولم تتسع لهم الأرض- نجحوا في الهروب المستحيل وعجزوا عن السهل

نشر بتاريخ: 11/09/2021 ( آخر تحديث: 11/09/2021 الساعة: 14:15 )

الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام

في عام 2016 نجح الشاب الفلسطيني نشأت ملحم من وادي عارة في تنفيذ عملية اطلاق نار جريئة في شارع ديزنغوف وسط تل ابيب، ورغم ان الاعلام العبري اطلق عليه لقب ( الشبح ) الا انه لم يتمكن من الاختفاء سوى أسبوع واحد قبل محاصرته واغتياله .
وفي 2018 نجح منفذ عملية بركان أشرف نعالوة من طولكرم في تنفيذ عملية مبهرة والانسحاب من داخل المستوطنة بنجاح ولكنه لم ينجح في التملص من ملاحقة المخابرات الإسرائيلية سوى 68 يوما قبل اغتياله .

وفي 2019 نجح الشاب عمر أبو ليلى في تنفيذ عملية مزدوجة بسلفيت صدمت الاحتلال ولكنه لم يتمكن من الاختفاء سوى ثلاثة أيام فقط بعد ملاحقة كل جيش الاحتلال له .
وفي 6 سبتمبر الجاري نجح ستة من قادة الحركة الاسيرة والمحكوم معظمهم بالسجن المؤبد في تحقيق هروب شبه مستحيل من خزان تسجن جلبوع . ولكن وبعد خمسة أيام فقط نجح الاحتلال في اعتقال 4 منهم ، وهم في بطون الجبال بلا مأوى .

ما يلقي الضوء على سؤال مهم: ما الذي يواجه المطارد حين يختفي؟

وجود اقوى انذار مبكر في الإقليم عند الاحتلال، وتكليف جميع كتائب الجيش والشرطة والكوماندوس والمخابرات والجواسيس وسلاح الطيران والاقمار الاصطناعية وملاحقة الهواتف والتجسس التكنولوجي. لا يعتبر هو السبب الأهم في فشل الاختفاء .
وانما عدم وجود (البيت السري) وهو المكان الذي يلجأ اليه الفدائي المطارد حين تصبح دولة كاملة بأجهزتها تبحث عنه. والبيت السري هو الأخطر في كل هذه الحلقات .
من قبل كان هناك عمل سري عند التنظيمات الفلسطينية في الأرض المحتلة. وكان بإمكان التنظيمات ان تخفي مطاردا لمدة عشرين سنة وأكثر، وبالفعل نجحت حركة فتح في إخفاء وتأمين سفر معظم مطارديها. اما الجبهة الشعبية فنجحت في إخفاء مطاردين لمدة 18 عاما واكثر داخل رام الله. ومثلها حماس التي ابدعت في العمل السري، وعلى الدرب باقي التنظيمات .

وفي تلك الفترة كان لكل تنظيم بيوت اسمها (البيوت الآمنة) فيها كل ما يحتاج المقاوم من اجل البقاء دون ان يحتاج لطلب الماء او الطعام من أي أحد. هذه البيوت لا يميزها شي ولا يصل اليها احد ولا يعرف عنها داخل التنظيم سوى شخص او اثنان بالغالب ولا تلفت الانتباه أبدا، وكان المطارد يطلب من التنظيم اخفاءه وهم يتدبرون الامر بكل سهولة ودقة، وفي حال عجزوا عن ذلك تقوم التنظيمات بنقله خارج الأرض المحتلة بعيدا عن الاعلام وبعيدا عن المباهاة .
صدام حسين أقوى حاكم عربي في التاريخ المعاصر لم ينجح في الاختفاء عن عيون الأمريكيين وعملائهم رغم امتلاكه دولة بكاملها، وكذلك معمر القذافي أغنى رجل على وجه الأرض ضاقت به الدنيا . ورموز وقادة كبار في الثورة الفلسطينية وفي الإقليم، خرقوا قواعد العمل السري وفشلوا في الاختفاء .
الاختفاء مهارة تنظيمية تخضع للتدريب الشاق على الانفصال الكامل عن علاقات الشخص ورغباته والأماكن التي اعتاد عليها، قبل ان تكون مهارة شخصية. هي ثمرة العمل السري الكامل .
في عصر السوشيال ميديا والاعلام والبث المباشر. يبدو ان التنظيمات الفلسطينية بغالبيتها تعتمد العمل العلني والعمل شبه العلني والعمل شبه السري، ولكنها لم تعد بالغالب تدرب عناصرها على العمل السري .