خطاب الرئيس... بين انتظارية الرهانات وغياب إرادة الفعل

نشر بتاريخ: 28/09/2021 ( آخر تحديث: 28/09/2021 الساعة: 11:59 )

الكاتب: جمال زقوت

دون التوقف كثيرًا عند مدى أثر الخطاب على المجتمع والحكومة الاسرائيلية، والتي تجاهلت فعليًا التعقيب على ما ورد فيه، وربما اعتبره بعض أركان هذه الحكومة تكرارًا لمواقف وتهديدات كلامية سابقة لا تتجاوز الحاجة للاستهلاك المحلي، ولا إزاء أثره وردود فعل دول الإقليم أو صُنَّاع السياسة الدولية التي ربما استمعت لصرخة الوجع الفلسطيني وآلام الحكاية الفلسطينية التي تضمنّها الخطاب منذ ما بعد النكبة حتى اليوم، دون أن يكون لهذه الصرخة أثر في صناعة سياسة العصر الراهن وطبيعة العلاقات الدولية التي تنشأ خلالها.

السؤال الجوهري والحقيقي، هل تعتقد حلقة صنع القرار التي صاغت الخطاب أن ما ورد فيه سيتم متابعة تنفيذه وتحويله لخطة عمل وطنية وسياسة يومية على الصعيد الداخلي، وفي العلاقة مع الاحتلال الذي أمهله الرئيس عامًا من أجل الرحيل؟! وهل ستكون العلاقة مع هذا المحتل خلال هذا العام قائمة على المزيد من انتظارية أن تثمر سياسة "استرضاء العدو" المستمرة منذ سنوات علَّه يتلطف بنا ويستجيب لمطالبنا؟!

بالتأكيد أن حلقة احتكار القرار الوطني تدرك تمامًا أن تغيير مواقف حكومة اسرائيل التوسعيّة لن يتأتّى من خلال أية مواقف لفظية في وقتٍ ترى بعينها المجردة مدى تفكّك الحالة الفلسطينية؛ ليس فقط بفعل الانقسام والتهافت من على ضفّتيْه من أجل "تسهيلات" في الضفة باتت مغمّسة بالدم، أو المطالبة بعودة إجراءات الاحتلال في غزة لما كانت عليه قبل آيّار، وربما لإتاحة الوقت لتمرير صفقة لبيد "الاقتصاد مقابل الأمن"، حيث واقع الحال وأقصى المطالبات في غزة لا يتعدّى مضمون هذه الصفقة، بل وبفعل مجمل الحالة العامة التي يُهيمن عليها الإحباط والتيه وقلة الحيلة الرسمية.

الأهم من ذلك كله، هل الشعب الفلسطيني بخبرته ومعاناته تلقى هذا الخطاب بالحد الأدنى من الجدية التي يمكن أن تفتح له طاقة أمل بعيدة عن استجداء مثل هذا الأمل من صحوة محتملة لضمير المجتمع الدولي، في وقت أن الناس لم تلحظ أي تغيير جدي في الممارسة اليومية على أرض الواقع إزاء المعضلات الكبرى التي تعيشها، وما ولّدته وتولّده من مؤشرات احتقان وفقدان للثقة والأمل غير المسبوقة. فمن يريد أن يضع الاحتلال على مفترق طرق عنوانه إما الرحيل أو إطلاق يد الشعب، عليه أن يبدأ من الأمس، وليس بعد عام، بمراجعة ملموسة لسياساته التي أوصلت البلاد والعباد لما نحن عليه، لاستعادة ثقة هذا الشعب ليس بالكلام والوعود، بل بمعالجة ملموسة لقضاياه التي في حال استمرارها على ما هي عليه، فلن تأخذنا سوى لمزيد من اتساع الفجوة ومصادرة إرادة الناس.

استنهاض طاقة الشعب لا تتأتّى بربط حقه الطبيعي في المشاركة السياسية واختيار قيادته بإرادة المحتل، واستمرار مصادرة إرادة الشعب التي قاومت وتقاوم هذا المحتل، واستبدالها بحلقة ضيقة تقرر مستقبله بديلًا عن متطلبات الائتلاف الوطني والديمقراطي الجبهوي الذي سبق وجسّدته منظمة التحرير على مدار سنوات كفاحها الطويلة، باعتبارها ليس فقط الممثل الشرعي والوحيد، بل وقائد نضالات هذا الشعب من أجل الحرية وتقرير المصير، وما يستدعيه ذلك من ضرورة التجاوب مع الإرادة الشعبية المطالِبة بإعادة بناء الوحدة في إطار المنظمة بمشاركة كافة القوى، وبالتحضير الجدي لإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وليس ربط هذا الحق الطبيعي بقرار الاحتلال.

حتى لا يكون الخطاب مجرد كلمات أو جمل أو حتى مواقف ليس لها وزن سياسي وشعبي، وهنا بيت القصيد، ودون انتظار لأيلول القادم حتى تتفتّق قدرات المكلفين بالصياغة لاجترار مواقف كلامية، وبالتأكيد في ظل معطيات ستكون أسوأ وأصعب بما لا يقاس مما هو عليه الحال اليوم، فإن المطلوب الانخراط في ورشة جدية لإعادة بناء القدرة الوطنية التي تفتح بوابة الأمل بأيدٍ فلسطينية شابة، وهي لا يمكن أن تنجح دون مفتاح استعادة الوحدة الوطنية. إن جديّة الحديث عن حكومة وحدة وطنية يتطلب التقدم الجدّي والملموس نحو إنشائها، والتوقف عن وضع أي اشتراطات من هذا الطرف أو ذاك سوى مدى التمسك بالحقوق الوطنية في العودة وتقرير المصير، والتشمير عن السواعد لتعزيز قدرة الناس على الصمود ومواجهة مخططات الاحتلال الساعية لتمزيق الحقوق الوطنية وتصفيتها.

إن استعادة ثقة الناس لا تتأتّى من خلال إدارة علاقات عامة مع بعض ممثلي قطاعات المجتمع المدني وهيئات حقوق الإنسان، بقدر ما تتطلب الاستجابة لمطالب الناس، ومنها هذه القطاعات، بالانتصار للعدالة بكل مكوناتها بدءًا من قضية مقتل نزار بنات والاعتداءات القمعية على المتظاهرين والمتظاهرات، ودفع الأمور نحو مواجهات كادت أن تمتد للشارع وتنذر بأوخم العواقب، بل إن الانتصار للعدالة يتعدّى هذا الأمر بإلغاء كل الإجراءات والقوانين بقرارات التي مسَّت وتمسّ بالحق في التعبير والتظاهر والتنظيم، وقبل ذلك تلك التي مسَّت باستقلالية وهيبة القضاء.

إن الدعوة لاستحضار المقاومة الشعبية ليست مجرد نداء، ولا رد فعل هنا وهناك، بقدر ما هي خطط تنموية واقتصادية وتربوية وثقافية، والتوزيع العادل للموارد ولأعباء مجابهة الاحتلال، جوهرها العودة لثقافة المقاومة والوحدة في سلوك المجتمع، وما يتطلبه من نماذج قيادية ومؤسسات وطنية محترمة مساءَلة من برلمان منتخب، وتلتزم بسيادة القانون وتحارب الفساد والمحسوبية والإثراء غير المشروع، وهيئات وطنية جامعة تعزّز وحدة التمثيل ولا تتسابق على تمزيق الراية أو إقصاء الكوفية التي أعلى من شأنها آلاف الشهداء وعشرات آلاف المعتقلين.

إن مواجهة سياسات الاحتلال الرامية لتهويد القدس ومصادرة المزيد من الأرض وتوسيع الاستيطان والإعدامات اليومية والاعتقالات المستمرة، لا تحتمل المراوحة بين مجرد التنديد أو الانتظارية لعام آخر وخطاب آخر، تمامًا كما أن كسر الحصار عن مستقبل أهلنا في القطاع، وفي مقدمتهم مستقبل مئات الآلاف من الشباب، لا يأتي عبر الحقيبة القطرية أو بإجراءات عقابية؛ بل بإعلاء شأن الوطن وسيادة القانون على الفئويات والمصالح الحزبية المدمرة.

إن إعطاء الكلام وزنًا جديًّا يتطلب القطع الكامل مع سياسة اللّهاث وراء مفاوضات لم توصلنا إلى شيء سوى ما نحن عليه من وهن وتمزق، وأن العودة للمفاوضات يتطلب أولًا إقرار اسرائيل المسبق بحقوقنا الوطنية، وهذا يحتاج لفعل وطني وسياسي ودبلوماسي شاق يستهدف ترميم خسارات المرحلة السابقة وإحداث تغيير جدي في موازين القوى.

هذا هو الطريق الذي يجعل من جملة واحدة يطلقها الرئيس أبو مازن، باسم كل الشعب وقواه السياسية وتعبيراته الاجتماعية، تعادل بوزنها كل الخطابات والدبلوماسية التي تفتقر لخطة سياسية ملموسة ومتكاملة، على الصعيدين الشعبي والرسمي، والتي لا تعكس سوى حالة التمزق واليأس والعجز، مهما تغلّفت بمفردات اللغة حمّالة الأوجه. ولنا أن نتخيل وزن وأثر مثل هذا الخطاب، أو غيره، لو أتى كمحصلة لوحدة الموقف ومراجعة التجربة وتعبيرًا عن الكل الوطني.