الجمعة: 03/02/2023 بتوقيت القدس الشريف

إسرائيل والسلطة الوطنية: تدمير أم إضعاف ورسم مستقبل

نشر بتاريخ: 01/10/2022 ( آخر تحديث: 01/10/2022 الساعة: 15:38 )

الكاتب: الدكتور عماد البشتاوي

يبدو أن الدم الفلسطيني المهدور و المستباح , و الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية المصحوبة بالاستفزازات لكل المشاعر الإنسانية و الأخلاقية - عدا عن السياسية و الوطنية – أعاد من جديد طرح السؤال:ما الذي تريده إسرائيل و بهذا التوقيت ؟ و لعل الإجابة عليه تحاول تفسير ما يجري حولنا من أحداث متسارعة و متداخلة بل و متناقضة. ولن ندخل في سجال العلاقة ما بين إسرائيل و السلطة الوطنية الفلسطينية ما بين مدافع عن السلطة الوطنية الفلسطينية بصفتها نواة الدولة الفلسطينية , و نقطة الانطلاق نحو تحقيق الحلم الفلسطيني, و ما بين مهاجم لها و لدورها .

إن الاستراتيجية الإسرائيلية الممنهجة , والقائمة على التخطيط و النفس الطويل , هو ما أوصلها إلى ما وصلت إليه الآن – مع عدم إغفال العاملين الإقليمي و الدولي سابقاً و لاحقاً – فمن خلال تتبع السياسات الإسرائيلية منذ اغتيال عرفات, ثم الانسحاب الأحادي من قطاع غزة , وصولاً للانقسام الفلسطيني و تكريسه و تعزيزه من خلال بقاء سلطتين منفصلتين ضعيفتين سياسياً و شعبياً , فإسرائيل ليست معنية بإنهاء السلطتين أو تقويتهما أو وحدتهما , و من هنا تأتي الضربات المتتالية هنا و هناك .

إسرائيل و بعد أن رسمت إلى حد كبير ملامح و مستقبل قطاع غزة منذ الانسحاب الأحادي ثم الانقسام , يبدو أنها تحاول استباق الأحداث و رسم حاضر و مستقبل الضفة الغربية . إسرائيل تقوم بكل هذه الأعمال و الجرائم , مع يقينها بان السلطة الفلسطينية غير معنية بالصدامات و المواجهات قولاً و فعلاً, بل إن الأمر الأكثر حيرة و غرابة أن ترد إسرائيل على التهنئة التي قدمها الرئيس محمود عباس لهم بمناسبة أعيادهم, بالقتل الوحشي و العنف الذي وصل إلى حد اعتقال الأطفال من قلب مدارسهم بل و مطاردتهم و قتلهم . كيف نفسر ذلك سياسياً من حيث السلوك و التوقيت؟

إسرائيل تقوم بكل ما تقوم به من قتل و استفزاز قبيل الانتخابات – وقد أصبح الدم الفلسطيني هو العرف الإسرائيلي الانتخابي - ومع ذلك فهي غير معنية بالوصول إلى حد الانتفاضة الشعبية العارمة, أو المواجهات التي تخرج عن السيطرة , و كأنها تريد إضعاف سطوة وهيبة السلطة الوطنية , و إضعاف لشعبيتها , و فقدان لثقة الشعب بها , وهو التفسير الوحيد لهذا الإيغال الإسرائيلي بهذا الدم الفلسطيني , و بهذا الشكل و التوقيت . لقد أصبح من الواضح تماماً بأن ما تقوم به إسرائيل لا يهدد دور ومستقبل السلطة الوطنية فحسب , و إنما مستقبل الشعب الفلسطيني في قادم الأيام .

فإسرائيل التي منحت مئات آلاف العمال الفلسطينيين التصاريح للعمل لديها , وعملت على تحسين أحوالهم الاقتصادية مع عجز للسلطة الفلسطينية عن توفير الوظائف لهم , أو حتى إقناعهم بوضع أموالهم في البنوك الفلسطينية على أقل تقدير. و على صعيد آخر, استمرت إسرائيل بمحاولات التواصل مع المواطنين الفلسطينيين بعيداً عن السلطة الفلسطينية , وفي نفس الوقت تحاول بناء علاقات و تبادل زيارات و تهاني معها , ثم بعد ذلك تقوم بكل عمليات القتل و الاستفزازات. إذن ما الذي تريده إسرائيل بعد كل هذه المتناقضات من حيث الشكل و المنسجمة من حيث المضمون ؟ انها تريد وضع السلطة موضع شك و ريبة و في مواجهة مع الشعب الفلسطيني , انها تريد شعباً فاقداً للثقة بنفسه و بقيادته و بمشروعه الوطني و بهويته و بحركته الوطنية و على رأسها حركة فتح , تريدنا مجموعات بشرية و عشائرية همنا الأول و الأخير الاقتصاد و الصراعات الداخلية بكل أشكالها بعيداً عن العدو الأول و الرئيسي ألا و هو إسرائيل.

آن الأوان أن تدرك السلطة الوطنية الفلسطينية ان السياسات الإسرائيلية الممارسة : سياسياً و أمنياً و اقتصادياً و اجتماعياً تضعف الشعب الفلسطيني من خلال إضعاف علاقته بقيادته و بأحزابه, و عليها أن تسارع لترتيب أوراقها و أولوياتها فلا يوجد رابح في هذه المعادلة الصفرية فلسطينياً.

*أستاذ العلوم السياسية فيي جامعة الخليل- فلسطين