السبت: 02/03/2024 بتوقيت القدس الشريف

لماذا استأنفت اسرائيل العدوان مجددا على غزة؟

نشر بتاريخ: 03/12/2023 ( آخر تحديث: 03/12/2023 الساعة: 16:46 )

الكاتب: د.محمود الفروخ

بعد انهيار الهدنة الانسانية وصفقة تبادل الاسرى التي افرج من خلالها عن عشرات المدنيين والاجانب من الاسرائيليين والفلسطينيين لاسيما الاطفال القصر والنساء والتي سبقها جولات وصولات من القتال بين حركة "حماس" واسرائيل استمرت لما يقرب من خمسين يوما ، فان تجدد العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة يحمل في طياته الكثير من المعطيات التي تشير الى ان الاحتلال لم يحقق في حربه ربما الا القليل من الاهداف التي رصدت من قبل مجلس الحرب الاسرائيلي قبيل تنفيذ العملية البرية على مناطق مختلفة بغزة وتحديدا منطقة الشمال. وهذا بدى واضحا من خلال ما شاهدناه من استعراضات عسكرية لمقاتلي كتائب القسام خلال الهدنة الانسانية وخلال ما تلاها من عمليات تسليم للاسرى الاسرائيليين وسط وشمال وجنوب القطاع وأيضا الطريقة الانسانية والاخلاقية التي حرص على اظهارها جنود المقاومة أمام وسائل الاعلام المختلفة والعالم اجمع بالتعامل مع الاسرى المفرج عنهم ما أغاظ الاحتلال ومجلس حربه الذي يعامل الاسرى الفلسطينيين في المقابل بكافة سجونه بطريقة لا اخلاقية ولا انسانية ويعذبهم ويحرمهم من كافة مقومات الحياة ما أدى لاستشهاد ستة اسرى فلسطينيين في السجون منذ بدء معركة "طوفان الاقصى" في السابع من اكتوبر الماضي .

ان الاخفاقات المتكررة والمستمرة لساسة الاحتلال الاسرائيلي ومنظومته الامنية على المستويات كافة بالتعامل مع المقاومة الفلسطينية في غزة والمفاجئات العسكرية والهجومية التي حققتها هذه المقاومة على الارض لاسيما أثناء العملية البرية وما نتج عنها من خسائر بشرية ومادية ومعنوية ونفسية لجيش الاحتلال جعلت اسرائيل تدرك جيدا أنها لا ولن تستطيع القضاء على هذه المقاومة من المنظور العملي والواقعي فاستعاضت عن ذلك بقتل أكبر عدد من المدنيين والاطفال والنساء والشيوخ وتدمير أكثر عدد من المباني والبيوت والمنازل والمستشفيات والكنائس والمساجد والمدارس والمخابز ... الخ ، للخروج بنصر وهمي يشفي غريزتها الانتقامية التي كانت السمة الابرز في هذه الحرب اسرائيليا .

ويشكل استئناف اسرائيل لعدوانها وحربها مجددا على غزة المكلومة التي تعاني من كوارث انسانية وصحية واجتماعية وبيئية وغيرها من الكوارث بعد ما أنهكتها أطنان المتفجرات التي سقطت على رؤوس مواطنيها بلا رحمة ولا اخلاق ولا شفقة ولا انسانية ولا تدخل لا من العرب ولا العجم ولا المجتمع الدولي بكافة مؤسساته ومنظماته وأذرعه اولا : استهتارا واستخفافا بكافة المطالبات الدولية العربية والاسلامية منها والشعبية والمنظمات الحقوقية وكذلك كل القوانين الانسانية الدولية ومواثيق الامم المتحدة لاسيما بعد قتلها لاكثر من خمسة عشر الف مدني فلسطيني وجرح أكثر من ثلاثين الفا آخرين غالبيتهم من الاطفال والنساء وتهجير مئات الالاف من منازلهم وبيوتهم بعد قصفها وتدميرها ، ما يستدعي كل ذلك محاسبة هذا الاحتلال وقادته بصورة عاجلة لان كل هذه الجرائم والمجازر وعمليات التطهير العرقي والابادة الجماعية التي اقترفتها اسرائيل على مدار الخمسين يوما الماضية موثقة على الهواء مباشرة عبر عشرات الفضائيات العربية والاجنبية التي كانت تغطي هذه الاحداث. وهذا يتطلب تحركا عاجلا وغير منحاز من قبل محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية في لاهاي . وثانيا : الدعم الاميركي والغربي المطلق لإسرائيل والعجز والتقاعس العربي في مواجهة هذا الاحتلال الغاشم في حربه على غزة رغم علمهم جيدا ان اسرائيل اوغلت كثيرا بالدم الفلسطيني وان حربها واهدافها في غزة ما هي الا عبارة عن اشلاء الاطفال والنساء والشيوخ وأن رأس المقاومة بعيد كل البعد عن مشنقة هذا الاحتلال ، ورغم ايضا حالة التحول في الرأي العام العالمي لصالح الشعب والقضية الفلسطينية وما شاهدناه من مسيرات شعبية حاشدة في عواصم الدول الهامة مثل لندن وباريس وواشنطن والعديد من عواصم القرار العالمية المؤثرة المؤيدة للحق الفلسطيني بعدما بدأت تتكشف الروايات الاسرائيلية الخادعة والكاذبة والمزورة والمحرفة التي كان يروجها ويسوقها الاحتلال من خلال ادواته المختلفة اعلاميا وسياسيا ودبلوماسيا . وثالثا : اسرائيل تعلم وتدرك جيدا أنها منيت بالهزيمة المدوية في الساعات الست الاولى باليوم الاول من معركة او عملية طوفان الاقصى على جميع المستويات سواء الامنية او الاستخبارية او العسكرية او التكنولوجية ...الخ وهذا اعتبر هزيمة استراتيجية ووجودية لها من المقاومة الفلسطينية وتحديدا حركة "حماس" وجناحها العسكري كتائب القسام ومعها فصائل العمل المقاوم في قطاع غزة، وبالتالي هي تحاول من خلال العودة واستئناف الضربات والقصف والتوغل بالقطاع مجددا ترميم جزء من صورتها وهيبتها العسكرية التي كسرت وتهشمت في في معركة الطوفان في مستوطنات غلاف غزة من جهة وكذلك صورة جيشها الذي تعرض لهزائم نفسية ومعنوية ولقتل وجرح واسر وخسائر مادية ايضا في العملية البرية التي لم تسفر لا عن القضاء على المقاومة وبنيتها العسكرية ولا الافراج عن الاسرى الاسرائيليين الموجودين لدى "حماس" وفصائل المقاومة الاخرى في غزة عنوة وبالقوة كما أراد الاحتلال من خلال تصريحات قادته المختلفين ، وهذا يدل على أن اسرائيل فشلت فشلا ذريعا على مدار الاسابيع الثمانية الماضية من عمر هذه الحرب في الظفر بأي ثمن أو صورة أو اشارة تجعلها تخرج منتصرة ولو بالحد الادنى لحفظ ماء وجهها أمام جمهورها الداخلي الذي بدأ يفقد ثقته بمجلس حربه وساسته وخططهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع في ردع المقاومة ومحاولة القضاء عليها واعادة الاسرى بالقوة كما يرددون في كافة لقاءاتهم ومؤتمراتهم الصحفية ، لذا عادت اسرائيل تجر ذيل الخيبة والهزيمة مجددا لشن عدوانها على غزة الجريحة علها تجد ضالتها في ضربة أو هدف او اغتيال هنا او هناك يجعلها تنزل عن الشجرة التي صعدت عليها وتنتطر من يضع لها سلم النجاة والنزول والخروج بأقل الخسائر من وحل غزة الذي اغرق مؤامرات ومخططات وطموحات العديد من قادة الاحتلال الاسرائيلي منذ عام ٦٧ وحتى يومنا هذا .