الخميس: 18/08/2022

وطن على وتر - انها رائعة لكنها حقيرة

نشر بتاريخ: 15/08/2011 ( آخر تحديث: 15/08/2011 الساعة: 14:33 )

الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام

كتب رئيس التحرير - ان الفن كتعبير مكثّف عن الموجود الثقافي واستشرافاته في عقل المثقفين ، يعتبر عملا ابداعيا لا يمكن قياسه ميكانيكيا ، بمعنى ان الموجود الفكري من وعي الافراد أو المدرك الاجتماعي بكافة اشكاله مثل العلوم و الفلسفة و الفن والرسم يعتبر تخيلا علميا ( لا تستطيع اي سلطة ان تجبر الفنان على الخيال العلمي وان يبتعد عن الهرطقة والهواجس المريضة السلبية التدميرية مثل افلام الخيال والوحوش وافلام الرعب في هوليوود ) . لكن الجمهور سيقرر حينها اذا كان هذا العمل يحاكي واقعه او لا .
وهنا يكمن الفرق بين الماركسية ( كنظام حكم شمولي ) وبين المجتمعات الحرة ، حيث منع ستالين توزيع مؤلفات الكاتب الرائع دوستوفسكي وبينها الجريمة والعقاب باعتبار انها مؤلفات برجوازية صغيرة ، . لكن وبعد 70 عاما انهار الاتحاد السوفييتي وظلّت روايات دوستوفسكي رائعة يفاخر بها الروس .

بدر شاكر السياب كتب انشودة المطر في شهر اب في بغداد اي حينما كانت درجة الحرارة في بغداد 52 درجة مئوي ومن دون مكيف للهواء ، اما اجمل قصائد الحب الفلسطينية فقد كتبها اسرى فلسطينيون في السجون ، فيما كتب رسول حمزتوف اعظم روايات عن الفرد في ظل نظام ستالين وكتب بريخت " دائرة الطباشير القوقازية " بينما كانت محاكم التفتيش تحكم بالاعدام على المثقفين . وكتب محمود درويش قصيدة " امي " في زنازين سجن الرملة . واجمل قصائد الحرية تم كتابتها في الزنازين مثل قصيدة عسقلان . وهكذا لا يمكن لاي مثقف ان يقبل على نفسه ان يقول للفنان ماذا يعمل وعن ماذا يعمل ..... فالحرية شرط اولي من شروط الابداع ، وفي حال فقد الفنان الحرية الميكانيكية فانه سيبحث عن حرية الروح ، وعن فضاءات شاسعة للتحليق في مدى الابداع اللامنتهي .

ولذلك من المرفوض تماما ان نقول للفنان الفلسطيني ماذا يفعل وكيف يبدع وفي اي مجال !!! لان هذا بعكس نظرية التطوّر الاجتماعي الحرّ . وانا شخصيا لا أتفق مع نظرية السببية ، وطالما تسبب لي ذلك بمشاكل حقيقية اثناء وجودي في الحزب او الجامعة ، فليس صحيحيا ان لكل عمل او فكرة سبب معروف ، واحيانا كثيرة نقوم بأعمال وحركات ونطرح افكار تلقائية لا نعرف سببها المباشر .

ومن وجهة نظري فان الاعتداءات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني طوال مئة عام منعت التطوّر الثقافي والفني الطبيعي عن مجتمعنا ، ورغم ان اول من أسس السنما المصرية هما الاخوان اعمى من مدينة بيت لحم ، ورغم ان هناك مئات الفنانين الفلسطينيين الرائعين في الاردن ومصر ولبنان وسوريا الا ان الفن لم يتطوّر كثيرا في فلسطين في ال20 سنة الماضية ، سواء في المسرح الذي اصبح منظمة غير حكومية او في الغناء الذي هرب الى استوديوهات بيروت او في الرسم والموسيقى ... وبقينا نقتات على فتات الفن الى حين خرج علينا فريق وطن على وتر بابداع جماعي وفردي رائع ، فوجدنا انفسنا نصفق لهم من قلوبنا . مثلما صفقنا من بين ضلوعنا للشاعر تميم البرغوثي .

وكيلا نطيل ، اننا لا نملك النفط مثل الخليج ولا الانهار مثل تركيا ولا الذهب ولا السلاح والطائرات ولا المسارح ولا الافلام ، اننا في فلسطين نفاخر ونملك امرا واحدا كان الزعيم ياسر عرفات دائما يفاخر به !! اننا نملك الثقافة والتعليم ... وهما الرافد الاساسي للفن والابداع ، ويجب علينا ان لا نقبل ابدا ان تعود محاكم التفتيش ضد المثقف الفلسطيني ابدا ابدا . بل اننا لا نزال نعض اصابع الندم لان السلطة في العام 1997 وفي غفلة من الزمن حاولت منع كتب الفيلسوف الرائع ادوارد سعيد . ويجب ان نواصل نشر مؤلفات وابداعات كل المثقفين الفلسطينيين سواء من الماركسيين او الاسلاميين المتشددين او من الليبراليين ، فهذا هو شعبنا وهذا هو كنزنا الثقافي الذي تكمن قوتّه في التنوّع المبني على التكامل وليس على التفاضل .

ان فريق وطن على وتر ، فريق مبدع من الفنانين الفلسطينيين ، ويجب ان ندعمه وندعم غيره من الفنانين ، يجب ان نحميه ونفاخر به ، ويجب ان نشكر ياسر عبد ربه الذي سمح لهذا الفريق بأخذ مساحة فكرية وفنية متطوّرة الى هذه الدرجة ، ويجب ان نقترح على ياسر عبد ربه المزيد من الافكار والاعمال التلفزيونية ، يجب ان ندافع عنه وان كان لنا ملاحظة على ركاكة النص ونقص الافكار ، فهذه دعوة لكتّاب النصوص في فلسطين ان يقدّموا لتلفزيون فلسطين نصوصا اقوى وارقى من اجل تقوية العمل وليس ايقافه بحجة او اخرى . كما ادعو كل من رفع قضية ضد فريق وطن على وتر ان يسارع لسحبها وان يضحك على الحلقة التي اغضبته وليس ان ينتقم . فلو ان كل مثقف مصري له انتقادات على مشهد في فلم مصري يدفع لوقف العمل ، لتوقفت جميع الاعمال المصرية مرة واحدة .

اختم بالقول ان فلاديمير لينين مؤسس الشيوعية الروسية وحاكم روسيا حين قرأ رواية دوستوفسكي الشهيرة ( الابله ) قال عنها : انها رائعة لكنها حقيرة - والحق يقال انني قرأت الرواية اكثر من مرة فوجدتها رائعة وليست حقيرة ابدا ، بل اروع من الرائعة .