إضراب الأطباء بين البصر والبصيرة

نشر بتاريخ: 24/02/2020 ( آخر تحديث: 03/04/2020 الساعة: 04:09 )

الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام

ليس ثمة قوانين واضحة في المجتمعات البشرية تشرح بوضوح طرق النجاح واّليات تحقيقها ، ولكن هناك قوانين تشرح المسموح والممنوع . والقوانين شكل بدائي من أشكال النمو بالمجتمعات البشرية نحو الحضارة والرقي والإبداع .
والمجتمعات مثل الافراد . تصحو وتنام ، تتقدم وتتقهقر ، تتحفز أو تعيش الخمول ، تنجح أو تفشل .. ولكنها تعد أكثر أشكال الحركة تعقيدا . ولا يمكن إنجاز قراءة صحيحة لأي مجتمع من دون الاتكاء على تراكمية المعرفة .
الحكومات كأداة تنفيذ عليها ان تفهم ديناميكية البناء التراكمي على ما أنجزته الحكومات السابقة قبلها ، وتبني عليه .
والنقابات عليها ان تفهم لولبية التقدم ، فالتقدم لا يسير بشكل مستقيم الا في أذهان الأطفال ، وإنما النجاح جملة من التراكمات بين كرّ وفرّ وجيئة وذهابا الى أن يصل الى الهدف بأقل الخسائر .
في فلسطين 17 اتحاد نقابي ، ونحو 17 وزارة فاعلة . ولا مندوحة عن الإصطدام في الاهداف والأدوات . ودائما هناك زوايا مختلفة لرؤية الأمور . وهي أمور بديهية لا تحتاج الى شروحات . والفرق بين مجتمع واّخر هو طريقة التفاعل الداخلي مع حالات الإصطدام . فهناك مجتمعات تجعل العلاقة بين النقابة والوزارة تكاملية فيكسب الجميع ، وهناك من يحشر نفسه في علاقة تفاضلية ويسر الجميع .

نحن معشر الصحافيين وقفنا مع الاتحادات النقابية في جميع نضالاتها ، وبشكل كامل ودون تردد . رغم أن نقابتنا طوال 40 عاما لم تنفذ أي اضراب يشل المجتمع ، ولم تحقق أية مطالب خاصة لحقوق الصحفيين ، لا على صعيد الضمان الوظيفي ولا على صعيد الإمتيازات ولا علاوة خطورة المهنة ، ولو أن أي زميل صحفي أعتقل أو تعرّض لإطلاق نار , فان المنظومة القائمة لا تعطيه أية حماية ولا حتى تأمين صحي له ولعائلته ، ولو أن أي مصور أو صحافي تعرّض للشلل فان النقابة ووزارة الاعلام لا تضمن له خبزا لأولاده لمدة اسبوع ولا حتى راتب تقاعدي . ومع ذلك واصلنا وسنواصل وقفنا مع الاتحادات النقابية بإعتبار أنها الجهة  الأمينة والواعية التي أقسمت على صيانة حقوق اعضائها وفق المصلحة العامة ورفع مكانتهم الوظيفية .

بدأ الجميع يتحدث عن إضراب الأطباء تضامنا مع موقف نقابة أطباء العيون ضد تخصص البصريات في الجامعة الامريكية بجنين . ولكن الازمة تجاوزت البصريات الى مطالب أخرى تتعلق بالعلاومة ولوائح العمل . وذلك ليس عيبا .
- أوضاع البلد في حالة يرثى لها ، . والحكومة محاصرة ماليا وسياسيا وتعيش أسوأ كوابيسها . ومع ذلك لا مانع من مواصلة النقابات نضالاتها من أجل واقع أفضل لجموع بناة الوطن .
- باب الحوار مفتوح ، ويجب أن يبقى مفتوحا ,, ويجب أن يكون هناك خوارزمية للحلول من خلال الحوار وأن يكون الاضراب اّخر خيار وليس أول خيار . وكل مرة تعاني البلد من اضراب قطاع من القطاعات ، ويشمل هذا الحديث وكالة الغوث حيث كان في السنوات الماضية سلسلة اضرابات في المخيمات لعمال النظافة في عز الصيف ما كاد يؤدي الى أوبئة خطيرة .
- يجب مشاركة الجمهور في الرأي . وغير معقول أن لا أحد يسشير الشعب الفلسطيني أبدا في أي شئ . لا أحد يأخذ رأي الجمهور في قرار الحرب ولا قرار السلام ولا قرار الأسعار ولا قرار الضريبة ولا المفاوضات ولا التظاهرات ولا قرار الموت ولا التدريس ولا الجامعات ولا العيون , وكان الجمهور مجموعة من الأيتام لا أب لهم ولا أحد يعتبرهم . هل معقول أن الجماهير لا رأي لها بأي شئ سوى أن تطيع وتنفذ وتموت وتستشهد !! 
- نقابة الأطباء ليس لها كرامة لتدافع عنها ، كرامتها من كرامة المرضى والجماهير والحكومة وممنوع أن تقول لنا أي نقابة أن لها كرامة , فكرامتها من كرامة الوطن . ومطالب نقابة الأطباء يمكن التفاهم حولها بسهولة . وكل نقيب سابق صار وزيرا للصحة ، وكنا شهودا على تبادل الأدوار وأجرينا مقابلة معه حين كان نقيبا وأجرينا لقاء معه وهو وزيرا للصحة . وذاكرتنا لم تنس شيئا .
- الحكومات ليس لها كرامة لتدافع عنها , فكرامتها من كرامة المرضى والأطباء والجماهير والفقراء , ولا يوجد شئ إسمه كرامة الحكومة . كرامة أي وزير في الحكومة هي كرامة المواطن , وأي كلام غير هذا لن نقبله .
- وفد التفاوض بين الحكومة ونقابة الأطباء لم يجلس سوى إجتماع واحد ، وبعدها اعلن الاضراب !!! هل هذا معقول يا حكومة ؟ هل هذا منطق يا نقابة الاطباء ؟ هل في هذا أي احترام للجمهور ؟
- بعدها قفز النقيب عند الرئيس .. وتورط رأس الهرم السياسي ورأس الحكومة ورأس النقابة في مثلث أزمة غير مقبول . وكان يجب على وفد النقابة أن يجلس مع وفد الحكومة لعدة اسابيع قبل اللجوء الى تأزيم الازمة وتصديرها للجمهور .
- هل نقبل ان المفاوضات مع اسرائيل وفلسطين مستمرة منذ 30 عاما .. ووفد النقابة ووفد الحكومة أعلنوا فشل المفاوضات في غضون 30 دقيقة .

طيب .. وفد الحكومة ووفد نقابة الأطباء إطلبوا النصيحة من طواقمنا في دائرة المفاوضات .. قبل ان تعلنوا فشل المفاوضات .