" أأحاسب إمراة على نسيانها .. فمتى إستقام للنساء حساب "

نشر بتاريخ: 08/03/2020 ( آخر تحديث: 08/03/2020 الساعة: 11:03 )
" أأحاسب إمراة على نسيانها .. فمتى إستقام للنساء حساب "
الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام
يفكر البشر بأشياء كثيرة ، ولكنهم لا يقدمون على تنفيذها بتاتا . وإنما يكتفون بالخواطر والمبالغات والتخيّلات وهذا يعوّض عجزهم الفاضح .

الموظف يفكر بالاستقالة من وظيفته كل يوم ، ولا يجرؤ على التنفيذ خشية من عواقب ذلك. والسياسي يفكر بالمعارضة وأن يقول كلمة حق في وجه سلطان جائر ، لكنه سرعان ما يبتسم صاغرا ذليلا عندما يقف بين يدي السلطان ويتحوّل الى خاروف يهرول وراء الراعي . ناشط الفسيبوك يتحدث ليل نهار عن الاشتباك ، لكنه لا يثقّف نفسه ولا يشتبك حتى مع كلاب الحي ، وانما يكتفي بالحديث عن ذلك علنا حتى يزيح الانظار عن عجزه . كم واحد منّا تمنى ان يتخلّص من أعدائه وخصومه ، وكم واحد منّا مستعد فعلا لكي يتخلّص من خصومه واعدائه !!!

الغني يفكر بمساعدة الفقراء لكنه لا ينفذ خشية ان تنقص ثروته ، والفقير يفكّر بثورة الجياع لكنه ينافق الغني ليل نهار . الرجل يفكر بالبطولات ويعشقها ويقرأ باعجاب مسيرة حياة تشي جيفارا وياسر عرفات وجمال عبد الناصر ووديع حداد وغسان كنفاني وفتحي الشقاقي وعلي طه ويحيى عيّاش وأبو جهاد وغيرهم ، ويتمنى فرصة ليصبح بطلا وفي الواقع هو يتجنب البطولة كل يوم وكل ساعة. بل يهرب منها ليل نهار .

والمراة تشاهد مسلسلات الحب وأفلام التضحية وتوصيات د نوال السعداوي ونصائح أحلام مستغانمي وقصص باولو كويلو ، ولكنها وفي أول مواجهة تختار الإستقرار في أسفل هرم العائلة الممتدة وترضى بأي شئ مقابل أي شئ .

ربما أقلّ من 2 بالمليون ينفذون ما يفكرون به دون ندم ، وهم يدفعون ثمنا باهظا لقاء هذه الجرأة . امّا باقي البشر ومن كل الشعوب فإنهم يكتبون الاف المقالات ويشاركون في عدد لا منتهي من المحاضرات حول البطولة والجراة وهم أول من يهرب من ساحة المواجهة .

لماذا؟

الأمر يعتمد على عاملين : العامل الاول فسيولوجيا ، والعامل الثاني التدريب .

فسيولوجيا هناك أفراد مستعدون للمغامرة والتنفيذ لأسباب تتعلق بتركيبة الدماغ وضغط الدم وعوامل بيولوجية أخرى ، ومن بينهم خرج قادة يتخذون قرارات الحرب وينفذونها دون تردد ، ومن بينهم خرج سفاحون ومجرمون يقتلون بدم بارد او نماذج للتضحية والحب والبطولات الحقيقية .

أمّا عامل التدريب فهناك تدريبات جسدية وعقلية قوية تدفع الافراد والجماعات على تنفيذ قرارات لم يحلموا أنهم في يوم من الأيام قد ينفذونها ، لأنها تتعارض مع رغباتهم وإمكانياتهم أو تتعارض مع قيمهم ومبادئهم ،و من هؤلاء الخلايا والفرق الخاصة في الجيوش وكتائب الفدائيين والنخبة والانتحاريين والجلادين والسجانين . وهؤلاء خضعوا لتدريب عقلي يؤهلهم من إخفاء مشاعرهم والتصرف وفق التدريبات التي تلقونها .

في المجتمع العربي . غالبا ما تعتمد المرأة على ما يقوله الرجل بكل ثقة .. ولكن الرجال في الغالب لا يقصدون 99.9% مما يقولون . ويتكئ الرجال على ما تقوله المراة لهم ، ولكن نحو 100% مما تقوله المراة العربية قابل للتغيير والانتقال الى الضد في فترة زمنية قصيرة !!

الرجل العربي غير مدرّب على التحكم بأقواله وأفعاله ، وهو يعوّض عن عجزه الجنسي والعاطفي والمادي من خلال الشعر والبطولات المبالغ فيها والأساطير والكذب المتواصل " ثقافة القناع " . والمراة ترتاح حين تقول أي كلام لتعويض حالة القمع الشامل داخل مجتمعات ذكورية وتهرب من القرار لانها لم تخضع لتربية أو تدريب يؤهلها لاتخاذ القرار أو العيش بإستقلالية .

أكتب لمن ولدوا بعد العام 2000 . لمن يمكن أن يحقّقوا التغيير في المجتمعات العربية , بأن يعيدوا البحث في ما كتبناه نحن ، وما قلناه نحن . لقد كتبنا الكثير من المغالطات وكذبنا على أنفسنا كثيرا .

الشاب الصغير يحلم بشريكة حياة لطيفة ليبني معها أسرة سعيدة ، وأنه مستعد لتحطيم الجبال بيديه من أجل عيونها ...

الفتاة الصغيرة تحلم بفارس احلامها وتؤكد له أنها مستعدة لتعيش على الحصيرة من أجل عينيه ....

وفي أول إمتحان عملي يتضح ان الكلام شئ والواقع شئ اّخر . ، وأن على الجميع أن يتعلم التفكير بطريقة أخرى , وأن يعتادوا على الحديث بالأرقام لبناء عائلة سعيدة . فالأرقام هي الأصل وان كل طفل يحتاج الى قرابة مليون شيكل من أجل بلوغ عمر 18 سنة وتوفير إحتياجاته بنجاح وبشكل لائق .

على الشاب التوقف عن نثر الوعود والموافقة على كل الشروط من أجل الحصول على " أي فتاة" ، لانّه لن يستطيع التنفيذ . وان 99.9% مما يقوله لها في "كوفي شوب" الحي او كافتيريا الجامعة غير قابل للتطبيق . وأن جميع وعوده لها محض خيال جامح وفق دراما فقيرة ومكررة ومملة .

وعلى الفتاة التي تعيش الاّن مع اربع من أخواتها في غرفة واحدة ، أن تكف عن السخافة وتعرف أن هذا الشاب الصغير لا يختلف عن أخوها او والدها المثقل بالديون وقروض البنوك . هذا الشاب الصغير في كافتيريا الجامعة ليس فانوس علاء الدين ، ولن يستطيع أن يسكنها في قصر أو فيلا في حي الطيرة ، ولن يستطيع أن يشتري لها يختا في البحر ولا سيارة فارهة ويأخذها الى اجمل أماكن في العالم بينما هو وهي عاطلان عن العمل ولا يشاركان أساسا في العملية الانتاجية .

وأن ساهموا في سوق العمل ، فإن راتبهما معا قد لا يشبعهما خبزا وقد لا يكفي لحليب الأطفال .وأن الخيال المريض في هذه الطلبات سيدفعهما لكراهية بعضهما كرها شديدا.

الأسرة وحدة إقتصادية إجتماعية عاطفية تعاونية بين رجل وإمراة بالغين عاقلين منتجين ومؤهلين لمهمة مقدّسة , ستضم لاحقا اطفالا لهم إحتياجات كثيرة .

ذات يوم كتب الشاعر العربي الكبير نزار قباني بين المدح والقدح يصف المراة ويقول :

أأحاسب إمراة على نسيانها .. فمتى إستقام للنساء حساب "

وكأن الرجل العربي أفضل حالا .. فهو أيضا قد رفع عنه الحساب منذ زمن طويل ، لانه لا يعلم ماذا يقول ولم يدقق في وعوده التي ينثرها ليل نهار أمام المراة .

في العالم العربي . معظم السكان يقولون أشياء لا يقصدون تنفيذها . وهم أنفسهم لا يصدّقونها . لانهم لم يتدربوا على تنفيذها ، وإنما تربوا على الخنوع والخضوع والقبول بأي شئ ، حتى في الحب .