بيت لحم في اليوم الخامس : فوضى الحواس

نشر بتاريخ: 09/03/2020 ( آخر تحديث: 09/03/2020 الساعة: 13:13 )
بيت لحم في اليوم الخامس : فوضى الحواس
الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام
 في رائعتها " فوضى الحواس " كتبت الأديبة العربية الجزائرية أحلام مستغانمي ( ينتهي الحب عندما نبدأ بالضحك من الأشياء التي بكينا بسببها يوماً ) . والأغرب في حال بيت لحم اليوم أننا نتحدث مع بعضنا بلطف شديد يخفي " الغضب الكبير" الذي كان يسكن صدورنا . 
في اليوم الأول صدمة كبيرة وإنكار واتهامات / في اليوم الثاني صمت ووجوم / في اليوم الثالث شعرنا أن الجميع هربوا عنا واغلقوا بوابات الحديد علينا ، وحاولنا التعويض من خلال جرعة حب زائدة لأنفسنا لإستعادة جدار الثقة وأن نحب بعضنا أكثر ونشكر دون حساب .. الجميع يشكر دون وعي ( المحافظ يشكر الشرطة - والأمن يشكر الصحة - والصحة تشكر المصابين - و"المصابين" يشكرون الصيدليات - والحكومة تشكر الرئيس - والصحافة تشكر المختبرات ) / في اليوم الرابع شلل وإنتظار .. 
امّا اليوم الخامس فتحاول المحافظة وضع عناوين محددة للعدو الخفي .. تحاول أن ترسم له شكلا ، أو ملامح أو مواقع دون جدوى . فتهرب العناوين كما يهرب النعاس من العين .. 
قال الفرس قديما : لا يسهر الليل الا عاشق او لص ..
ولكن أهل بيت لحم يسهرون للكورونا . يحملون أسلحتهم ويشحذون إراداتهم كل ليلة ويقفون على بوابات المدن الثلاث لمنع الخوف من التسلل الى المنازل . شاهدت قادة التنظيم يرحبون بقوات الأمن ، وقوات الأمن ترحب بالصحافة ، والمحافظ يرحب برؤساء البلديات . اليوم نكتشف كم نخاف على بعضنا وكم نحب بعضنا وكم توحدنا المصائب والنائبات . شعب عظيم يستحق كل التقدير والتضحية . شعب عملاق لا يهرب ولا يترك جرحى في أرض المعركة . حتى رجال الاعمال لم يهربوا من بيت لحم ووقفوا يدعمون بكل قوة كل ما أراده التنظيم وما يريده الناس . ولم أسمع قط أي أحد يتحدث عن الخسائر الاقتصادية ، والجميع يتمنى السلامة وان لا ينتشر الفيروس خارج المحافظة نحو المدن الاخرى .

رجال الأمن يحرسوننا ليل نهار ولكننا وإياهم لا نعرف من هو العدو !! ما هو العدو ؟؟
قد تكون مصافحتك لوالدك خطر ! وقد تكون مخالطتك لأولادك خطر ! وأصعب شئ مرّ علينا هو عدم المصافحة . ويتضح لنا أن هذا الامر ليس سهلا , فقد إعتدنا طوال حياتنا على المصافحة وغالبا ما ينسى أحد ويصافح وتضطر أن تنحني وتقول له بكل خجل أنا أعتذر عن المصافحة يا صديقي فيرد عليك صديق العمر بكل أدب : بل أنا اعتذر لانني حاولت مصافحتك .. ما هذا الجنون الذي نعيش . يا الهي كم هي قصيرة الحياة وكم هي كبيرة الهموم ,

قيل لي أن طاقما إداريا ذهب للحجر على عائلة , ولكن الطبع غلب التطبع .. رحبت العائلة بالطاقم بكل حرارة فما كان من الطاقم الا أن نسي وصافح العائلة بقوة .. جاء طاقم جديد وحجر على الطرفين .

يا الهي ما أصعب أن يعيش العربي من دون مصافحة . قال لي صديقي ( حين يريد الله ونعود الى حالنا ويعافينا الله ، سوف أصافح كل عابر سبيل .. إشتقت للمصافحة ) . صديق أخر ولده مصاب بالكرونا وصف لي بدقة كيف يعد الدقائق والساعات حتى يصافح ولده فلذة كبده .. لكن ممنوع عليه ان يصافح أو يخالط ابنه الى إشعار اّخر .

ومثل باقي المحافظات وباقي المدن العربية والسفارات في العالم . أخص بالذكر أهل قطاع غزة الحبيبة المحاصرة الذين غمروا أهل بيت لحم بالحنان والحب والدعم النفسي والصلاة والدعاء والاتصالات والتمنيات بالسلامة .. 

طالما لم ينقطع التيار الكهربائي بعد ، ولم تنقطع خدمة التزويد بالمياه .. وطالما أن الاسعار مضبوطة والسلع متوفرة والخير في الناس ، وقد عاد التكافل الاجتماعي وإنقطعت السرقات والجرائم . فالمجتمع لا يزال بخير .

الدكتور موسى فلسطيني من بيت لحم ومغترب في برلين .. اتصل وقال لي إن سعر الكمامة في المانيا وصل احيانا الى الف يورو . وأشاد بصمود اهالي بيت لحم وسرعة تعافيهم من الصدمة . وتوزيعهم الكمامات مجانا .

في اليوم الخامس ,, لا نفكر في الهروب الى أي مكان ولا يخطر ببال أحد الخروج الى أي مكان اّخر ، بل نفكر في الصمود والبقاء لان هذه الارض تستحق العيش فيها , ولا نعتب على أحد ، لسنا نطلب شيئا ولا دعما ماديا ، لسنا نجوع ولا نبكي .. وإنما لغاية اللحظة لا نعرف ما هو الكورونا ، ولا كيف نواجه هذه المصيبة . وأعتقد ان الحكومة أيضا لا تعرف ما هو كورونا ومثلنا تحاول أن تعرف كيف نمنع الانتشار .

خطر ببالي ان اكتب على باب بيت لحم بيت الشعر هذا :

ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يغدر بصاحبك الزمان .