تميمة عرفات .. أقوى من فيس بوك ويوتيوب وتيك توك

نشر بتاريخ: 09/11/2021 ( آخر تحديث: 09/11/2021 الساعة: 13:56 )

الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام

لم يكن تطبيق فيس بوك أيام وجود الزعيم عرفات . لم يكن يوتيوب . لم يكن سناب تشات ولا تيك توك ، ولكن الصحافة من جميع أنحاء العالم كانت تلاحقه وتطارد أخباره حتى ملأ الدنيا وأشغل الناس .
ورغم مرور 17 عاما على اغتياله ، لا يزال ياسر عرفات يحكمنا . لا يزال هو شخصيا قائد الثورة الفلسطينية وصاحب فكرة الدولة . ولا يزال هو ورفاقه جورج حبش واحمد ياسين وفتحي الشقاقي وفيصل الحسيني ومئات مثلهم ، لا يزالون أصحاب الكلمة الأولى في المشهد السياسي الفلسطيني .
حين قرأت ما يكتبه قادة الأحزاب الصهيونية هذه الأيام عن شخص عرفات ، زادت قناعتي بما قلناه سابقا . ويقول موشيه يعلون وهو رئيس الاستخبارات السابق ووزير جيش الاحتلال ( كان الهدف الاستراتيجي لعرفات دولة فلسطينية من نهر الاردن الى البحر المتوسط لم يتنازل عرفات ابدا عن فلسطين الكاملة لقد كان ينظر لنفسه من زاوية تاريخية قائدا عربيا مسلما يقود شعبه نحو النصر التام على دولة اسرائيل وليس الوصول الى تسوية معها . غير انه قرا الخارطة السياسية الدولية جيدا ولذلك لم يعلن هذا الهدف صراحة بل قام بالمناورة ثم المناورة لقد كانت المناورة اهم مواهبه . لقد ناور امام المعسكر الشرقي ثم لاحقا امام الاوروبيين وفي نهاية المطاف ايضا امام الامريكيين . ناور امام الراي العام الاسرائيلي والقيادة الاسرائيلية ايضا امام العالم العربي فعل الامر نفسه وفي داخل المجتمع الفلسطيني ابعد ثم قرب ثم قرب وابعد لقد كان عرفات فنانا حقيقيا في المناورة لقد تلاعب بالناس كما يفعل السحرة ولكنه وسط كل هذه الالاعيب والمناورات لم يفقد صلته بالهدف الاستراتيجي فقد كان دائم السعي نحو ذلك الهدف : استبدال اسرائيل بفلسطين .(

وبالإضافة الى الاف المقالات التي كتبها ضباط وجنرالات أصبحوا مشهورين لأنه تم تكليفهم بالتجسس على عرفات . نرى الان بوضوح أكثر من هو الزعيم الذي اغتاله شارون بالسم النووي .
في كتابه ( عين العاصفة ) اصبح جورج تينيت رئيس السي أي ايه أكثر شهرة وأكثر دولية كونه جلس مع عرفات خلال حصاره وكتب عنه . رابين وبيريس وبعض زعماء العالم وبعض قادة العرب الذين حاولوا أن يتخلصوا من عرفات ( ان يتخلصوا من القضية الفلسطينية ) لكنه كان يعود اليهم كل مرة بألف سيف وألف تميمة .
كنت حاضرا في مبنى المقاطعة في رام الله حين رفض زعماء عالميون مغادرة مقر عرفات من دون أن يحصلوا على صورة لهم برفقته . وكنت شاهدا على حبّه للشعب الفلسطيني من جميع الفصائل .
اتفاقيات أوسلو لم تسمح لعرفات أن يضم أبناء الجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي في أجهزة الامن الفلسطينية . ولكنه كان يسمح لهم بالتدريب على البنادق وتلقي اللياقة اللازمة ، وبعد أن ينتهوا من تلقي كافة التدريبات كان يبلغهم برفض طلباتهم فجن جنون الإسرائيليين .
عرفات كل شجرة تين ( سبيل ) يأكل منها أي عابر سبيل . عرفات كان بئر ماء صاف يشرب منه الرحالة من كل صوب . عرفات كان يكره الاحتلال الإسرائيلي وكنت ترى ذلك في عينيه وفي كلماته وفي روحه . وكان يحب الأطفال والامهات اللواتي ينتظرن عودة اولادهن من سجون الاحتلال .
كتب موشيه يعلون قبل أيام ( في كل الاحوال يجب النظر بنزاهة فكرية والاقرار بان الروح الفلسطينية التي بلورها عرفات لم تكن روحا تتحدث عن اقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967 بل كانت روحا تعمل على هدم دولة اسرائيل واقامة شيئا اخر مختلف على انقاضها . صحيح يدور الحديث عن التنفيذ على مراحل غير ان المرحلة الاكثر اهمية هي تدمير دولة اسرائيل . لهذا الهدف سعى عرفات كل حياته وهذا هو الارث الذي تركه للأجيال الفلسطينية القادمة )

انا وأبناء جيلي عملنا تحت راية عرفات . وفي كل مرة كنا نحتار في قراءة أفكاره . ولكن لم يستغرقنا طويلا حتى شعرنا بصدق مشاعره .هكذا وبهذه البساطة المتناهية . كنت تجلس مع عرفات وتحس فورا انه يحبك لأنك فلسطيني ، ولأنك ثائر ، ولأنك مقاوم ، ولأنك ابن مخيم ، ولأنك ابن قرية ، ولأنك ابن شهيد ، ولأنك جريح ، ولأنك مسيحي ، ولأنك درزي ، ولأنك شركسي ، ولأنك كردي ، ولأنك انسان . كنت تحس فورا بمحبته لك لآنك من غزة ولأنك من القدس . لأنك صامد ولأنه تحمل بندقية أو قلم أو لأنك تحمل فكرة تخدم فلسطين وأهلها .


ببساطة عرفات كان يحبنا
فشعرنا بهذا الحب
ببساطة عرفات كان يكره الاحتلال
فشعروا بذلك وقتلوه