رينو 4

نشر بتاريخ: 04/07/2011 ( آخر تحديث: 04/07/2011 الساعة: 14:01 )

الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام

كتب رئيس التحرير - حتى نهاية الثمانينيات كان جيش الاحتلال - الذي هزم كل الجيوش العربية - يستخدم سيارات صغيرة الحجم قليلة الحاجة الى الوقود ورخيصة بالنسبة لقطع الغيار وهي فرنسية الصنع تدعى رينو 4 ، حتى قادة هيئة اركان الاحتلال وجنرالاته ظلّوا يستخدمون هذه السيارات الصغيرة في تنقلاتهم لان الجيش الاسرائيلي كان يبحث عن توفير الميزانيات وتقنين الصرف ... اما نحن في السلطة الفلسطينية فقد اخترنا في العام 1995 سيارات من مصنع جنرال موتورز وهي سيارة بونتياك الفارهة والتي تحتاج الى كم هائل من الوقود لسياقتها !!!

ثم ما لبثنا نشاهد في شوارع الضفة وقطاع غزة "صغار "الضباط والموظفين في السلطة يقودون سيارات الشفرليه والفورد والسيارات 6 سيليندر التي يقول عنها المواطن انها ( نهّابة بنزين ) وانا لغاية الان لا اعرف من يختار نوعية السيارات التي تستخدمها السلطة وعلى اي اساس تجري العطاءات وكيف يمكن ان نشرح للوفود التي تأتي للتضامن معنا مظاهر البذخ والفشخرة والطاؤوسية والتقليد الاعمى للدول الغنية والاخطر ان تكون الدول المانحة هي التي اختارت لنا هذه السيارات او تبرعت ببعض منها !!! كما ان نشاطاتنا الوطنية تجري في فنادق 5 نجوم وهناك حالة من الترف او على الأقل حالة من عدم التقنين في المصروفات .

ويبدو أننا بحاجة الى دراسة تجربة أزمة اليونان المعاصرة في كلياتنا الجامعية ، ولا ضير ان يدرسها ويتعلم منها وزراء السلطة وقادتها ، والاهم من وزارء السلطة وقادتها ان تدرس المعارضة الفلسطينية سلوكيات الاقتصاد والفرق بين فكرة تأسيس دولة وبين الحديث عن مظاهر استهلاكية ومباهاة . وان يتحلّى القائد بسياسة التقشف والكفاف قبل ان يطلب من الجمهور ذلك .

اليونان وبعد انضمامها للاتحاد الاوروبي أغرقت نفسها في النزعة الاستهلاكية . وعن غير وعي استخدمت حكوماتها تسهيلات غير ضرورية مثل السيارات الفارهة والتقاعد المبكر في سن الاربعينيات والقروض الميسرة بسهولة شديدة والرحلات حول العالم ، ونسيت حكوماتها ان خزينتها تغرق في الديون للاتحاد الاوروبي وللبنك الدولي فانهار الاقتصاد فجأة وتبخّر صندوق التقاعد وخرجت الجماهير الاغريقية تتظاهر في الشوارع واحرقوا المحال وهدّدوا بنهب البنوك دون جدوى .

الدول المانحة والبنك الدولي والاتحاد الاوروبي اشترطوا مساعدة اليونان بسياسة تقشّف وان تكف الحكومات عن التبذير وتنتهج سيسة ضبط النفس لمعالجة نفسها ووقف نزيف اقتصادها من خلال الخصخصة والمشاركة والحوكمة وغيرها من افكار خبراء الاقتصاد .... حاول " الوطنيون " الاغريق رفض الفكرة والاعلان انهم لن يبيعوا بلدهم للبنك الدولي ولن يدخلوا الاستعمار المالي على انفسهم من النافذة ، لكن الامر كان تخطّى مرحلة الشعارات الطنانة ودخلت اليونان مرحلة الخطر .

وبالعودة الى السلطة ، انا لم أفهم كيف تقوم سلطة تحت الاحتلال باغراق نفسها بنزعات استهلاكية طاؤوسية لا حاجة لها ، في كل مكتب معدات فاخرة وفاكس ومع كل مسؤول لاب توب واكثر من محمول من ارقى الانواع ، سيارات تنهب الوقود رغم ان لتر الوقود يساوي 2 دولار في الاراضي الفلسطينية ، وتحويلات طبية الى افخم مشافي العالم وبرادي فخمة من القماش المخمل لنوافذ لمكاتب أو مقاعد ومكاتب لا تملك دول اوروبا مثل فخامتها .... وعن احد الصحافيين في غزة قال لي " نكتة " ان احد المتضامنين من السودان جاء الى غزة يتضامن مع شعبنا في الحصار لكنه لمّا رأى مكاتب الحكومة واحوال الاسواق وسيارات الشعب قال بكل تلقائية : يا ليت يفرضوا الحصار على السودان لنعيش بهذا المستوى !!!!!!

وحتى لا نبتذل الفكرة بكثرة الامثلة ، لو اراد الفلسطينيون ان يستخدموا سياسة تقشّف بسيطة وهادئة وتواضعنا قليلا كشعب مديون ونشحذ رواتبنا ، لكنا نستطيع توفير نصف مليار على الاقل من مصرفاتنا الحالية ولما كنا اصلا سنصل الى ازمة التي نمر بها ، وقبل ان نغرق مثل اليونان علينا ان نتدارس افكار النماء الاقتصادي ، وبدلا من سيارات الفورد للمخابرات والشفرليه للوزارات والهونداي للوقائي والباجيرو للتشريعي والمرسيدس للصحافيين ، علينا ان ندعم الزراعة البيتية ونهدئ من النزعة الاستهلاكية ونساهم في خلق سلوك انتاجي .

لعن الله امّة لا تأكل مما تزرع ، ولا تلبس مما تصنع .