الحمد لله ان هناك اله

نشر بتاريخ: 07/07/2011 ( آخر تحديث: 07/07/2011 الساعة: 21:36 )

الكاتب: رئيس التحرير / د. ناصر اللحام

كتب رئيس التحرير – للحديث عن الفرق بين الثورة وبين ثوران الغضب ، وفي حال يجوز لنا اللعب على احرف الكلمات ، فان حالة الغضب العارمة التي تعتري الافراد بين الفينة والفينة ، ظاهرة طبيعية لكنها لا تصل الى مرحلة ثورة ، وان صح القول فانه وفي حال أصيب غالبية الناس في نفس الزمان والمكان بحالة غضب ،فانها لا تسمّى ثورة جماهيرية بل تسمى " غضبة شعبية " لانها لا تملك مقوّمات الثورة التي تضمن التغيير الجذري في بناء الحكم وطبيعة العلاقة بين قوى الانتاج والحكومات .
والثورة هي عمل مخطّط ومنظّم يعبّر عن جهد جماعي هادف الى غايات محددة سلفا وتستخدم اداوت معرّفة من اجل تحقيق تلك الغاية وقيادة الجماهير عبر نخبة معروفة لها هوية سياسية وادارية واضحة واهداف معلنة وصولا الى عملية تغيير جذري يقوم على اساس استبدال الحاضر بمستقبل افضل وتوفير احتياجات غالبية الناس بصورة أرقى .

الا ان ما يشهده العالم العربي يشبه الغضب ( الثوران ) وليس الثورة ، وهو ما يعطي الامر طابعا تلفازيا استعراضيا مفتعلا أكثر مما يكون عملية تغيير جذري ، وبالفهوم المجرد فان ما قامت به حماس في قطاع غزة هو تغيير جذري شامل لنظام الحكم السابق واستبداله بنظام مختلف . ومن ناحية نظرية يعتبر الاكاديميون السياسيون ما فعلته حماس عام 2006 ثورة على السلطة السابقة وتغيير جذري ، الا ان المنظرين الاكثر عمقا وايديولوجية يعتبرون ما قامت به حماس" ثورة مضادة " لانها اقتلعت نظام سياسي براغماتي مدني وغرست مكانه نظام اوتوقراطي ديني شمولي ، اسوة بما فعل بول بوت في كمبوديا ، حتى وان كانت نوايا بول بوت اشتراكية وتعزيز المساواة الا انه في النهاية استخدم اداوت بطش قاسية في مساواة البشر بالارض وليس لمساواتهم بحرية مع بعضهم البعض ما قلب العالم ضده ودفع الاتحاد السوفييتي والصين الى التخلي عنه .

اذن شروط الثورة الناجحة واضحة ، واهمّها ان تكون تقدّمية للصالح العام وان تنتهج المنهاج العلمي والتطور الانساني وان تحمل البديل الاكثر حضارية في ادارة المجتمع لصالح اكبر عدد متنوّع من الناس في المجتمع .

ما يحدث في العواصم العربية او معظمها ، لا يعدو عن كونه حالة ثوران ( وليس ثورة ) وحالة غضب وانفعال ( وليس تغيير علمي متطور للمجتمع ) وهو ما يذكرنا بحركة تحطيم المكائن في سيليزيا نهاية القرن التاسع عشر ، حين اعتقد العمال ان المصانع الجديدة هي العدو الاساسي لهم وانها هي التي تحرمهم من اماكن العمل فخرج العمال واتجهوا الى مصانع النسيج والحياكة وحطموا المكائن بالفؤوس .

عمليا شعر العمال بالارتياح الشدي لانهم انتقموا من هذه الصناعة التي تنافسهم على لقمة العيش ، ولكن نظريا وعلميا فانها مجرد ردة فعل جاهلة وغبية قادت الى تحطيم المصانع وتأخير التطور الصناعي .

الشعوب العربية هذه الايام تشبه العمال الذين حطموا مكائن النسيج في سيليزيا ... فقد خرجت الجماهير ، الملايين منهم للتعبير عن غضبهم المشروع في الشوارع وحطموا مؤسسات الدولة ومقرات الحكومات ، وسالت ينابيع الدماء في دمشق وطرابلس وعدن وتعز والمنامة وغيرها ، ووصل الامر حد استعان ممثلوا الغضب الشعبي بالاحتلال الاجنبي لمساعدتهم في تحطيم اصنام الحكومات التي قهرتهم طوال عشرات السنين .

غالبية الحكام في دول العالم الثالث لا يقدّمون استقالاتهم ، ولا يتنحون عن الحكم حتى لو طالبت غالبية الشعب بذلك ، بل انهم مستعدون لانزال الدبابات والمدافع لسحق عظام ابناء وطنهم ومواطنيهم على ان يتنحوا عن سدة الحكم .

وبالمقابل فان غالبية الناس في شوارع العواصم الغاضبة ، لا يعرفون اهدافهم واخبار انفسهم الا من خلال قنوات البث الفضائي التي ارعوت تنصّب نفسها قائدة للثورات في العالم الافتراضي مع ان اصحابها والقائمون عليها ربما لم ولن يشاركوا في اي تظاهرة طوال حياتهم .

ان استبدال الحكام العرب باخرين غيرهم لا يعني نجاح الثورة ، والامثلة موجودة ، ولكن وجود احزاب بديلة تؤمن بقدسية الانسان وكرامته وتعمل من اجل بناء المجتمع على اساس التنوّع والتعددية والتوازن وتوفير الحياة الكريمة للمواطن هي الثورة الحقيقية .
امّا اصرار البعض على استبدال الحكام بحكّام اخرين ، على نفس الميزانية ونفس طريقة العمل ونفس النظام المبني على حكم جماعة لجماعة اخرى فهي قضية كيدية لا ترقى الى مستوى الثورة . لان استبدال الرئيس اليمني برئيس يمني اخر ، واستبدال القذافي بعبد الجليل وبشار الاسد بفلان او فلان لا يكفي . لان مقياس تقدمية الشعوب ليس بالشعارات الطنانة ولا يفتاوى رجال الدين ، وانما بمدى تطوّر واستجابة الحكومات للتطور والتقدم ، ومدى قدرتها على استيعاب الطبقات والشرائح المختلفة في المجتمع ، وبالتالي فان التسميات لوحدها لا تكفي ، فالاردن احرزت تقدما تكنولوجيا وفي حقوق المواطن ( فلسطيني المنشأ او اردني الاصل ) اكثر من الدول الاشتراكية التي تنادي بالمساواة منذ 40 عاما !!!!

المشهد في الوطن العربي سينمائي بحث ، سريالي المنحى ، والاحداث ساخنة والجمهور يريد المزيد من الاثارة ، وجه الرئيس اليمني محروقا ، وزراء مبارك في سجن طرة ، القافي في الملجأ ، بشار الاسد يضحك بهستيريا بينما المدن السورية تحترق ، كل هذا اكشن سينمائي مذهل ، يزيد من نسبة المشاهدة ، لكنه لن يضمن التغيير نحو مجتمع مدني ديموقراطي ولن يحقق السلم الاجتماعي ... الفضائيات تلهث باحثة عن خبر اعدام زعيم او موت رئيس ، لكن القادة يردون بالمدافع . والخبر السار للجماهير هنا ، ان الله موجود وان القادة والمشاهير والزعماء يموتون مثلهم مثل اي مواطن ، ولا أنسى ابدا حين مات قائد فلسطيني كبير رحمه الله ، همس احد المعزّين في بيت العزاء يقول بكل سذاجة : الحمد لله ان هناك رب .وان القادة يموتون مثلنا " .